الفقر ومؤشراته في موريتانيا
السبت, 23 أبريل 2011 14:58

altعمر ولد مولاي إدريس
إطار بوزارة الشئون الاقتصادية والتنمية

لم تول الأدبيات الاقتصادية المتعلقة بالتنمية في مراحلها الأولى ،الفقر أهمية تذكر ؛ إذ كان اهتمام تلك الأدبيات في بدايتها يتركز حول إيجاد تفسير لظاهرة التخلف وتلتمس الطرق السريعة للخروج من دائرته . وكانت معدلات النمو السريعة ، و الاتجاه نحو التصنيع وإعادة هيكلة القطاع الزراعي هي المكونات الأساسية لأي وصفة توضع لبلد نام غير أنه منذ الثمانينات وبداية التسعينات بدأت قضية الفقر تأخذ منعطفا جديدا وذلك بحدوث تطورين مهمين :

   الأول منهما بدأ مع أخذ العديد من الدول النامية ببرامج الإصلاح الاقتصادي والتكييف الهيكلي ، أما التطور الثاني فقد تمثل في التحول الكبير في أدبيات التنمية من مفهوم النمو الاقتصادي القائم على التصنيع وتكوين رأس المال الثابت والاستثمار المكثف في وسائل الإنتاج ، إلى التنمية البشرية باعتبارها أساس عملية التنمية وجوهرها(1) .

   غير أنه في سنة 1978 عرف روبرت مكنمار ، رئيس البنك الدولي في ذلك الحين ، الفقر بأنه تلك الظروف المعيشية التي تكون نتيجة سوء التغذية والجهل والمرض وارتفاع وفيات الأطفال وقصر العمر الافتراضي مما يجعلها أدنى من المستوى المعهود للحياة اللائقة(2) .

   كما أن المهتمين بالمجال التنموي بشكل عام وبمشكلة الفقر بشكل خاص أشاروا إلى أن الفقر يمكن أن يتم تعريفه من ثلاث نواحي :
1ــ التعريف الذاتي :

  ويركز على تعريف الفرد لذاته فيما إذا كان من الفقراء أم لا ، وفي غياب طريقة علمية يمكن التعبير بها عن آراء الأفراد أو الأسر في المجتمع باستثناء السؤال المباشر لهم عن ذلك فإن التعريف لا يكتسب أهمية واقعية ؛ فالفقر ينبغي تحديده بناءا على الظروف الموضوعية للعائلة وليس على التقدير الخاص  لها بأن يشعروا بالحرمان لكي يتم تصنيفهم من الفقراء(3) .
2ــ التعريف السوسيولوجي :

ومن خلاله يتم تعريف الفقراء بأنهم من يحصلون على مساعدات اجتماعية من المجتمع ووفقا لهذا التعريف يكون الشخص فقيرا عند اعتراف الدولة رسميا بذلك(4) .
3ــ التعريف الموضوعي:

   وهو يعرف الفقر بأنه عدم القدرة على تحقيق الحد الأدنى من مستوى المعيشة(5) ؛ وهو ما يعني أن هذا المفهوم يحدد مستوى معينا من الدخل أو الإنفاق ويعتبر هذا المستوى الحد الفاصل بين الفقراء وغير الفقراء وهذا الحد ، والذي يسمى خط الفقر ، هو الحد الأدنى من الدخل اللازم لتلبية احتياجات الإنسان الضرورية(6) .

  وفي موريتانيا فإنه لم يعط أي تعريف لحد الفقر ملائم للوضع الاقتصادي والاجتماعي للبلد إلا أنه في سنة 1992 أخذ بحدي الفقر المستخدم من طرف البنك الدولي(7) في تقريره للعام 1990 وذلك من أجل المقارنة بين أوضاع الفقراء في مختلف أنحاء العالم وهذه الخطوط هي 275 دولارا (بأسعار عام 1985 الدولية (8) .

وفي سنة 1996 ، ومن أجل الحد من ظاهرة الفقر ، تم إنشاء وحدة تنسيق لبرامج مكافحة الفقر داخل وزارة التخطيط سابقا وزارة الشؤون الاقتصادية والتنمية حاليا ، وقد مكن إنشاء هذه الوحدة من تقدم ملحوظ في تعبئة الموارد المالية الضرورية لإنجاز برامج فرعية خاصة لمحاربة الفقر(9).

وفي سنة  2000 أجرت موريتانيا مسحا توصلت من خلاله إلى أن نسبة الفقراء تبلغ 53,95 % من مجموع السكان معتبرة خط الفقر 2,43 دولار يوميا وبلغ عدد السكان الفقراء 1,30 مليون(10).

   كما قامت في نفس السنة بإعداد إطار استراتيجي لمحاربة الفقر للفترة 2001-2015 ارتقى سنة 2001 إلى قانون توجيهي لمحاربة الفقر جاعلا من الإستراتيجية مرجعا في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية على المديين المتوسط والطويل .

وشهدت مؤشرات الفقر في موريتانيا تراجعا ملحوظا خلال سنة 2008 بالمقارنة مع سنة 2004 والجدول التالي يوضح ذلك :

مؤشر

 

الوضعية المرجعية

الوضعية الحالية

السنة

قيمة

السنة

قيمة

انتشارالفقر

2004

46,7%

2008

42%

مؤشر الفقر المدقع

2004

28,8%

2008

26,8%

عدد الفقراء (بآلاف)

2004

1 320

2008

1 284

مؤشر جيني

2004

39,3%

2008

39,7%

 

    المرجع : وزارةالشؤونالاقتصاديةوالتنمية ، الإطارالاستراتيجيلمحاربةالفقرالمجلدII  ، خطةالعمل2011 –2015مراجعة مؤقتة ،ص 57 .

من خلال الجدول السابق نلاحظ انخفاض المؤشر الجيني إذ أنه لم يرتفع خلال أربع سنوات إلا بنسبة أربعة أجزاء من المائة في المائة كما أنه يعكس عدم تساوي في توزيع الدخل بشكل واضح  كما نلاحظ كذلك ارتفاع عدد الفقراء ؛ وذلك نتيجة للنمو الديمغرافي السريع ولضعف النمو الاقتصادي، وقلة ترسيخه في محيط الفقراء؛ إذ أن الفقر في موريتانيا لا يعتبر ظاهرة ريفية فقط بل يمتد باتجاه المناطق الحضرية ؛ ولقد ساهمت هجرة السكان نحو المدن بشكل متزايد في وجود جيوب جديدة للفقر في الأحياء المحيطة بالمدن.

ونتيجة للدور الاجتماعي الذي تقوم به الدولة من دعم للفئات الهشة ممثلة في وزارة الشؤون الاجتماعية والطفولة فقد أظهرت الإحصائيات انخفاض الفقر في الأسر التي تعيلها نساء (40,3%) بالمقارنة مع الأسر التي يعيلها رجال (42,6%)(11).

  الــفقر النــقدي

يستخدم الدخل النقدي أو الاستهلاك للتعرف على الفقر وقياسه وذلك عن طريق عمليات مسح الدخل والإنفاق الأسري لمعرفة كل ما تكسبه الأسرة ويبين الجدول التالي تطور خطي الفقر والفقر المدقع المستحدثين في موريتانيا منذ عام 1990، و التي تم تحديثها  بمراعاة نسب التضخم.

الســــنة

خـــط الفقر

الفـقر المدقع

1990

32 800

24 400

1996

58 400

43 450

2000

72 600

54 000

2004

94 650

70 400

2008

129000

96000

 

المرجع : وزارة الشؤون الاقتصادية والتنمية ، الإطار الاستراتيجي لمحاربة الفقر المجلد II  ، خطة العمل 2011 – 2015 مراجعة مؤقتة

يعتبر الفقر النقدي ظاهرة ريفية في المقام الأول وهي منتشرة بنسبة 59,4% مقابل 20,8% في الوسط الحضري. كما أن المناطق الريفية تضم أكثر من ثلاثة أرباع (77,7%) الفقراء عبر البلاد.

ومن خلال بيانات مسح 2008 للظروف المعيشية للأسر يمكن تصنيف الولايات الموريتانية إلى أربع مجموعات رئيسية :
1. الولايات الفقيرة جدا بنسبة تفوق 60% (تكانت، غوروغول، لبراكنه)؛
2.  الولايات التي يتراوح الفقر فيها ما بين 55% و 60% (الحوض الشرقي، آدرار، كيديماغا، لعصابة)؛
3.  الولايات التي يتراوح الفقر فيها بين 30 و 50% (الحوض الغربي، اترارزه وإينشيري)؛
4.  الولايات التي تقل فيها هذه النسبة عن 20% (نواذيبو، تيرس زمور ونواكشوط)(12).

الفـقر البشـــــري

إن الاهتمام بتحديد الفقراء والرغبة في قياس الفقر أدت في بعض الأحيان إلى حجب حقيقة أن الفقر هو أكثر تعقيدا من أن يتم تلخيصه في بعد واحد من أبعاد الحياة البشرية وعلى الرغم من أن الدخل يركز على أحد الأبعاد الهامة للفقر فإنه لا يعطي إلا صورة جزئية من عناصر الحرمان التي يعيشها الفرد ، فيمكن لشخص ما أن يتمتع بصحة جيدة و أن يعيش عمرا طويلا ، لكنه أمي وبالتالي مقطوع الصلة عن التعليم والاتصالات وعن التفاعل مع الآخرين وربما يكون هناك شخص آخر غير أمي وعلى درجة كبيرة من التعلم لكنه معرض للموت المبكر لأسباب وبائية(13).

ويركز الرقم القياسي للفقر البشري الذي عرضه تقرير التنمية البشرية لعام 1997 على أوجه الحرمان فيما يتعلق بثلاث عناصر أساسية للحياة البشرية تنعكس بالفعل في دليل التنمية البشرية وهي : العمر الطويل والمعرفة ومستوى المعيشة اللائق ويتعلق النوع الأول بالبقاء ـ وامكانية التعرض للوفاة في سن مبكرة نسبيا ـ تمثله في الرقم القياسي للفقر البشري النسبة المئوية للأشخاص الذين يتوقع وفاتهم قبل سن الأربعين.

ويتعلق البعد الثاني بالمعرفة ـ مدى الاستبعاد عن القراءة والاتصال ـ ويقاس بالنسبة المئوية لعدم معرفة القراءة والكتابة بين البالغين.

ويتعلق الجانب الثالث بمستوى المعيشة اللائق ، ولاسيما توفر الموارد الاقتصادية عموما ، ويمثل هذا الجانب عامل مركب من ثلاثة متغيرات هي النسبة المئوية للأشخاص الذين تتوفر لهم فرص الحصول على الخدمات الصحية والنسبة المئوية الذين تتوفر لهم فرص الحصول على المياه المأمونة ، والنسبة المئوية للأطفال دون سن الخامسة والذين يعانون من سوء التغذية(14).

وتتفاوت هذه المؤشرات في موريتانيا والجدول التالي يوضح ذلك :

مؤشر

 

الوضعية المرجعية

الوضعية الحالية

السنة

قيمة

السنة

قيمة

نسبة الأمية لدى البالغين

2004

42,5%

2008

38,5%

إصابة مؤكدة بالملاريا

2004

-

2009

22%

نسبة وفيات الأمهات (لكل 100.000)

2000

747

2007

686

نسبة وفيات الأطفال و الرضع (لكل1000)

2000

135

2007

122

نسبة تغطية الأمراض المستهدفة ببرامج التلقيح الموسع (أطفال من 0 إلى23  شهرا)

2004

79%

2008

68,8%

نسبة سوء التغذية (الوزن والعمر لدى الأطفال دون 5 سنوات )

2004

39,5%

2004

30,2%

نسبة اننشار نقص المناعة (السيدا)

2004

0,5

2008

0,5%

نسبة السكان المستفيدين من مصدر لمياه الشرف الصالحة في الوسط الريفي وشبه الحضري

2004

52%

2008

62%

نسبة الربط بشبكة المياه في الوسط الحضري

2004

18,9%

2008

21%

نسبة الأسر المستفيدة من نظام محسن للصرف الصحي

-

-

2004

37,2%

نسبة التغطية بالكهرباء

2004

23,8%

2008

30,6%

 

 المرجع : وزارو الشؤون الاقتصادية والتنمية ، الاطار الاستراتجي لمحاربة الفقر المجلد اا ، خطة العمل 2002 ــ 2015 مراجعة مؤقتة

من خلال الجدول السابق نلاحظ انخفاض نسبة الأمية لدى البالغين من 42,5% إلى 38,5% كما أن الحكومة الموريتانية تسعى من خلال إطار الإستراتجية العامة لمحاربة الفقر (2011-2015 ) إلى تخفيض هذه النسبة إلى 15% في حدود 2015.

في حين نجد نسبة انتشار نقص المناعة/السيدا ظلت ثابتة خلال السنوات الأربعة ، أما نسبة الأسر المستفيدة من نظام محسن للصرف الصحي فإنها مازالت دون المستوى ؛ إن كانت النسبة صحيحة ، فالبعض يرى بأن هذه النسبة أكبر من النسبة الحقيقية وأن كان كذلك فإن موريتانيا تعاني نقصا شديدا في مجال الصرف الصحي.

و لقد انعكس تدني المؤشرات السالفة الذكر على الرقم القياسي للفقر في موريتانيا حيث أن     السكان الذين يعيشون وجهاً من أوجه الحرمان الشديد في(15):

التعليم  55,3 % والصحة 44,1% المستوى المعيشي  66,8% . وبالتالي فإن دليل الفقر في موريتانيا ـ وحسب تقرير التنمية البشرية لعام 2010 ـ قد بلغ 0.352 .

ومن أهم الأسباب التي أدت إلى ارتفاع هذه المؤشرات ، العجز الغذائي المستمر وهشاشة النمو الاقتصادي أمام الأزمات والصدمات الخارجية وقلة تنوع النظام الإنتاجي والنقص في مجال بنى النقل التحتية واختلال المؤسسات العمومية وتسيير النفقات العامة وغياب تنافسية القطاع الخاص.

وفي الأخير فإن الحكومة الموريتانية ـ وفي الإستراتجية العامة لمكافحة الفقر ـ ترى بأنه يمكن تقليص الفقر في السنوات الأربع القادمة من خلال مجموعة  محاور من أهمها(16) :

المحور الأول يسعى إلى تسريع النمو الاقتصادي الذي هو أساس لكل عملية تقليص للفقر وتحسين تنافسية الاقتصاد والحد من تبعيته للعوامل الخارجية

المحور الثاني يرمي إلى تثمين مقدرات نمو وإنتاجية الفقراء. ويتعلق الأمر بترقية القطاعات التي يستفيد منها الفقراء بصفة مباشرة كالتركيز مثلا على التنمية الريفية مع إعطاء عناية خاصة للزراعة المطرية والتنمية الحيوانية وكذلك ترقية نفاذ الفقراء إلى خدمات مالية مناسبة وترقية المقاولات الصغرى والمتوسطة.

يركز المحور الثالث على ترقية الموارد البشرية وتشجيع النفاذ إلى البنى التحتية الأساسية؛ وفي هذا الإطار سترمي الجهود إلى:

(1) النهوض بنظام التعليم والتكوين (2) تنمية الأنظمة والخدمات الصحية (3) التحسين من مستوى غذاء السكان (4) التحسين من النفاذ إلى الماء الشروب والبنى التحتية للصرف الصحي(17).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)عبد الرازق الفارس ، الفقر وتوزيع الدخل في الوطن العربي(بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية،2001) ، ص 10
(2 عمر ولد مولاي إدريس ‘‘ التنمية البشرية لدول المغرب العربي دراسة مقارنة ‘‘ (رسالة ماجستير غير منشورة .معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة ،2002 ) ، ص 100
(3)عبد الرازق الفارس ، الفقر وتوزيع الدخل في الوطن العربي ، مرجع سابق ، ص 20
(4) كريم كريم، الفقر وتوزيع الدخل في مصر (القاهرة : منتدى العالم الثالث ،1994) ص 2
(4) عبد الرازق الفارس ، مرجع سابق ، ص19
(5) كريم كريم، الفقر وتوزيع الدخل في مصر،مرجع سابق ، ص2
(6) المرجع السابق ، ص 1
(7)نتائج المسح الشامل حول الأبعاد الاجتماعية للإصلاح الهيكلي: ملامح الفقر في موريتانيا ، ص 21
(8) تقرير البنك الدولي لعام 1990 ، ص 42
(9)الجمهورية الاسلامية الموريتانية ، البر نامج الوطني لمحاربة الفقر 1998 ـ 2001 ، وثيقة مقدمة إلى المجموعة الاستشارية الثالثة لموريتانيا ، المجتمعة بباريس في الفترة من 25 إلى 27 مارس 1998، ص 5
(10) تقرير التنمية البشرية 2009 ، ص 114
(11) وزارة الشؤون الاقتصادية والتنمية ، الإطار الاستراتيجي لمحاربة الفقر المجلد I  ، خطة العمل 2011 – 2015 مراجعة مؤقتة
(12) نفس المرجع السابق
(13) تقرير التنمية البشرية لعام 1997 ، ص 16
(14) نفس المرجع ، ص 18
(15) تقرير التنمية البشرية لعام 2010 ص 166
(16)  وزارة الشؤون الاقتصادية والتنمية ، الإطار الاستراتيجي لمحاربة الفقر المجلد II  ، خطة العمل 2011 – 2015 مراجعة مؤقتة
(17) نفس المرجع السابق

المشاهدات : 3124

رجوع